محمد متولي الشعراوي
718
تفسير الشعراوي
ولذلك يقول الشاعر : لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد كأن الوليد يقبل على شئ فيه نكد ، ولا يلتفت إلى ما في اتساع الدنيا ورغد العيش فيها . وإلا فما يبكيه وإنها لأوسع مما كان فيه وأرغد ؟ . فكأن صرخة الوليد هي صرخة الانتقال من رحم الأم إلى مواجهة الحياة . كانت حياة الطفل في بطن أمه رتيبة وغذاؤه من الحبل السرى ، لكنه ساعة ينفصل من أمه تنقطع صلته بجهاز تحضير الغذاء في رحم الأم ، وفقد المدد الغذائي في لحظة خروجه من بطن أمه ولم يأته مدد الرضاعة بعد ؛ فالرضاعة من مدد الدنيا ، ولا يأخذها الطفل إلا إذا أخذ أقل نسبة من الهواء ليدير الرئة ، ولذلك يحرص الأطباء في أن ينزل الوليد من جهة رأسه دائما ، لأنه لو نزل من ناحية رجليه ورأسه ما زال بالداخل ، فإن أنفاسه تكون محبوسة في بطن أمه ، ويكاد يموت ، ولذلك يكشفون الآن على الأم ليعرفوا وضع الجنين ، ويقوم الطبيب بإجراء الجراحة القيصرية حرصا على حياة الوليد ، وأول شئ يقوم به الطبيب بعد ميلاد الطفل هو أن يسلك منافذ الهواء إلى أنفه ، وبعد ذلك يعالج بقية الأعضاء . إنها صرخة الغريزة ، تماما مثل ما نسهو أمه عنه وجاء موعد رضعته فهو يصرخ . وهكذا نعرف أن الإهلال هو رفع الصوت ، وقوله الحق : « وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ » يعنى هو رفع الصوت لحظة الذبح ، والذبح نوعان : ذبح لنفعك لتأكل ويأكل غيرك ، وذبح قربى للّه . وما أهل به للّه ، هو ذبح قربى للّه ، أما « ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ » فهو الذبح لمنفعة الإنسان فقط ، وتقربا إلى أصنامهم وأوثانهم وما يعبدونه من دون اللّه . وما دام اللّه هو الذي أعطى الحيوانات وسخرها لنا من أجل أن نأكلها ؛ فعلينا أن نذكر المنعم ، وأن تكون القربى للّه وحده هي القصد الأول . ولذلك فالمؤمنون يتقربون ويأكلون ، أما الكفار فيأكلون ولا يتقربون للّه وإنما يذبحون ويتقربون إلى آلهتهم . والحق سبحانه وتعالى حينما شرع ، فتشريعه يضع الاحتمالات ، وليس كالمشرعين من البشر الذين تضطرهم أحداث الحياة بعد التشريع إلى أن يغيروا ما شرعوا ؛ لأنه